عاجل

أكذوبة حب الذات !!!

 

عندما نتأمل في واقع الحياة، نلاحظ انتشار شعاراتٍ كثيرة تُغلّف الأنانية بثوبٍ لامع تحت مسمى “حب الذات”..

وتُروَّج هذه الشعارات في عباراتٍ براقة مثل، اهتم بنفسك، عش يومك، أنت أولاً، قدر ذاتك، لا تُرهق نفسك بالآخرين .. غير أن وراء هذا البريق تختبئ فلسفة مادية تُحوِّل الحياة إلى متعةٍ مؤقتة وراحةٍ ضيقة لا تتجاوز حدود “الأنا” .. ومن هنا بدأ كثيرون يظنون أن خلاصهم في الانسحاب، وأن راحتهم في الهروب، وأن السعادة في عزلةٍ أنيقة على حساب من يحبونهم، وانساقوا خلف هذه المفاهيم المستوردة من ثقافات غربية ترى في الإنسان مشروعاً فردياً يعيش لنفسه فقط، فبدأوا يعيدون ترتيب أولوياتهم ليصبح محورهم الوحيد هو “أنا”، فأهمل بعضهم أسرته، وانفصل عن مجتمعه، وتبرأ من التزاماته بحجة “الراحة النفسية”، لكنهم بعد كل ذلك عادوا أكثر وحدة، وأشد ضياعاً، وأبرد روحاً .. ولكن ..
هل فعلاً يبدأ التوازن بأن ننسحب من محيطنا؟
وهل السعادة تُصنع في زاوية مقهى بعيد عن مسؤولياتنا وعن الذين نُحبهم؟

الحقيقة أن حب الذات لا يعني الانعزال، ولا أن نضحي بعلاقاتنا باسم “الراحة النفسية”، فالذات الناضجة لا تُحب نفسها لتتعالى، وإنما لتحيا بتوازن .. وفي ميزان الفكر الإسلامي، لا يُقبل أي حب لا يُترجم إلى انسجام بين ثلاث دوائر، العلاقة مع الخالق، والعلاقة مع الخلق، والعلاقة مع النفس .. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه ..

فالذات التي تفهم هذه المعادلة لا تخاف من العطاء، ولا تذوب في الآخرين، بل تمنح بحكمة وتعيش بذاتٍ متصالحة .. فحب الذات لا يعني أن تُغلق بابك عن العالم، بقدر أن تخرج إليه بذاتٍ ناضجة تعرف متى تُعطي ومتى تستريح، متى تصمت ومتى تتحدث، ومتى تفتح قلبك للآخرين دون أن تُقصي نفسك .. وان الحكمة ليست في أن تضع نفسك أولًا، وإنما في أن تعرف أين تضعها، فمن قدّم ذاته على كل شيء خسر المعنى، ومن أهملها خسر التوازن، فالسر يكمن في الوسط، حيث يسكن الرضا ويزهر الاتزان، وحيث يصبح حب الذات طريقاً إلى محبة الله والناس، لا جداراً يعزلنا عنهم .. وهنا حين نفهم حب الذات بمعناه الحقيقي، ندرك أن السعادة لا تُشترى بكوب قهوة، ولا تُصنع بالرحيل عن كل مسؤولية، بل تُزرع في قلبٍ متصالح، يعرف أن أجمل راحة هي تلك التي تأتي بعد عطاء، وأصدق حب هو ما جمع بين النفس والناس في طريقٍ واحد نحو الله ..

✍️ بقلم: د. سلطان الهاجري

Facebook Comments Box

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى