علاقات الاعتماد المتبادل

العلاقات لا تُبنى على الحب وحده، ولا على النية الطيبة فقط، بل على توازنٍ دقيق بين الأخذ والعطاء .. فحين يختل هذا التوازن، يبدأ أحد الطرفين بالشعور أنه يمنح أكثر مما ينال، فتتحول العلاقة من مساحة للتفاعل إلى دائرة من الاستنزاف الهادئ .. هذا ما تشرحه نظرية الاعتماد المتبادل (Interdependence Theory) التي وضعها العالمان جون ثيبو وهارولد كيلي عام 1959، حيث أوضحت أن العلاقات الإنسانية، في جوهرها، تُبنى على تبادل المنفعة المتوازنة، ليس بمعناها المادي، وإنما في أبعادها العاطفية والنفسية والمعنوية ..
تقوم النظرية على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته وهي ان كل إنسان يحمل في داخله ميزاناً غير معلن، يقيس به العلاقة: هل ما أقدمه يُقابله ما أتلقاه؟
هل وجودي هنا يُضيف إلى حياتي، أم يُنهكني؟
وحين يشعر أحد الطرفين أن الكفة تميل باستمرار، يبدأ الوعي بالاختلال قبل أن تظهر بوادر المشكلة على السطح ..
في العلاقات الشخصية، يتجلى ذلك حين يصبح العطاء عادة من طرفٍ واحد، وحين يُدفع الصمت ثمناً للحفاظ على الاستقرار، ومع مرور الوقت، يتراكم الإحساس بعدم التقدير،
فتتحول المحبة إلى واجب والاهتمام إلى عبء، والوجود إلى استنزاف عاطفي صامت ..
وفي بيئة العمل، يظهر المبدأ ذاته في علاقة القائد بفريقه أو المؤسسة بموظفيها، فعندما يشعر الفرد أن جهده لا يقابله تقدير أو إنصاف، ينخفض الالتزام الداخلي حتى وإن استمر الأداء الخارجي ..
فالتحفيز الحقيقي لا يولد من المكافأة، بل من الإحساس بأن الجهد يُقابل بالاعتراف ..
أما على مستوى المجتمع، فإن فقدان التوازن بين ما يُطلب من الناس وما يُمنح لهم، يؤدي إلى تآكل الثقة العامة، لأن التفاعل الإنساني، شأنه شأن أي علاقة، يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء في صورته العادلة والمتبادلة ..
إن ما تطرحه نظرية الاعتماد المتبادل في جوهرها، هو أن العلاقات لا تحتاج إلى تساوٍ مطلق، بل إلى توازنٍ شعوري عادل، فالعلاقة الصحية لا تقوم على مبدأ “النصف بالنصف”، ولكن على إحساس متبادل بالرضا والإنصاف والاحترام ..
وحين يُكسر هذا التوازن، يبدأ الصمت في التمدد شيئاً فشيئاً، فيملأ المساحات التي كانت تعج بالحب، أو الشغف، أو الولاء ..
ويبقى السؤال المفتوح لكل قارئٍ واعٍ:
هل تُبنى العلاقات على التفاهم العميق أم على التوازن المتبادل؟
وهل يمكن للعطاء أن يستمر حين يغيب الإحساس بالتقدير .
د. سلطان الهاجري
خبير التطوير المؤسسي








